الحلم الأخير في يوم الفراق

” لمن المُلك اليوم .. لله الواحدالقهّار “
: حلم مبارك الأخير !!

ربما هو اصعب يوم في حياته الممتدة والتي تخطت التسعين عاما .. شعر ان هذا اليوم هو يومه الأخير .. ملامح وجهه المضطربة – لمن يقترب منه ويراه – لاتنبىء بخير .. ” شكله خايف ” .. يريد ان ينام .. ربما ليهرب من إدراك اللحظة الحتمية الآتية.
أغمض عينيه ، وبعد دقائق بدى للقريبين منه انه في غفلة .. ” لا هو نايم ولا هو صاحي ” .. فتركوه على هذا الحال .. ومن حين لأخر يدخلون عليه .. فقط للاطمئنان أنه لايزال على قيد الحياة.
…………………..

مبارك نائما او هكذا يبدو ، غير أن المتابع له يشعر أنه يقظ .. فأحيانا تتحرك شفتاه كأنه يقول شيئا ، وأحيانا أخرى تعتري قسمات وجهه علامات رعب حقيقية ، وأحيانا ثالثة تجده يبتسم ، شريط الذكريات يمر أمامه ويعود به سنوات طويلة إلى الوراء ، وتتغير ملامح وجهه بين الابتسام والبهجة والحزن والألم ، حسبما يرى في منامه.
…………………

” المشهد الأول .. وداع في الفجر “
تنفرج شفتاه بابتسامة خجولة وهو يرى نفسه على الشاشة .. ” وداع في الفجر ” .. فيلم قديم ظهر فيه مبارك في لقطة عابرة – وقتها لم يكن احد يعرفه – .. ضابط بالقوات الجوية أثناء حرب 56 .. كله حيوية وهمة ووطنية ، غير أن اسم الفيلم كسى وجهه للحظة بحزن وخوف .. ” وداع في الفجر ” .. ترى هل سيكون هذا اليوم هو فجره الأخير؟

يمر الشريط بطيئا أمام عينيه ، أو ربما مبارك نفسه لا يريد له أن يُسرع .. فها هي أمامه أسعد أيام حياته .. مواطن عادي متزوج وله ولدان .. عيشة متواضعة.. سيارة صغيرة.. مسؤوليات محدودة .. و10 أيام في رأس البر كل صيف يستمع بسلطنة لام كلثوم .. لا هموم .. لا مشاكل .. أيام جميلة ليتها تعود.

يجري الشريط وبسرعة ، مشاهد مؤلمة في سيناء ووجوه منكسرة في مصر والعالم بعد نكسة 67 .. ثم انتصار عزيز في 73 ، وهو قائد للقوات الجوية ثم نائب لرئيس الجمهورية ، ثم حادث المنصة .. السادات يُغتال أمامه يوم نصر أكتوبر .. لحظتها تحديدا تمنى أن لا يكون الرئيس القادم .. فقط لحظتها .. لكن بعد أن هدأت الأمور واستقرت ، رأى الجانب المضيء في هذا المنصب الرفيع ، ففرح به واستقبله بترحاب شديد.
…………………

” المشهد الثاني .. ناس مصر الطيبين “
عشر سنوات في الرئاسة اختزلها الشريط في دقيقتين .. كانت الأمور عادية ، المطامع لم تُعم القلوب والعيون بعد .. شعب طيب مسالم يرضى بقليله ، والرئيس يعد : فترتان فقط ليس أكثر .. والكل يصدق ويصفق.
وتمر السنوات والشعب يحبه بجد .. صحيح لم يأت بأى جديد، لكن الناس يحبونه ولم يروا منه ما يعكر صفو حياتهم.. الموارد محدودة وعدد السكان في ازدياد مستمر والأمور ماشية بـ ” الزق ” .. لكنها ماشية .
لم يكن الذين انخلعت قلوبهم من الناس الطيبين يمثلون أو ينافقون ، حين تعرض مبارك للاغتيال في أديس أبابا .. ألاف مكتظة عند قصر القبة يريدون رؤيته للاطمئنان عليه ، ومنهم من ذبح ابقارا وجاموسا وخرافا شكرا لله على سلامته.

الشعب الطيب الأصيل لا يريد للرمز أن يُهان أو يطاله سوء ، حتى لو كان مبارك إنسانا سيئا ، لا نقبل أن تغتاله رصاصات غدر ، عملا بمثل قديم كانت تقوله أمهاتنا: ” ادعي على ابني واكره اللي يقول أمين ” .. راح أو جاء ، هو رئيسنا .. اللي يرشه بالميه نرشه بالدم .. مشاعر صادقة دمعت لها عينا مبارك ، نائماً ، وكأنه يلوم نفسه: كيف خسر كل هؤلاء الناس الطيبين؟!
………………..

” المشهد الثالث .. عبّارة السلام وهدف ابو تريكة “
الشريط كأنه فيلم سينمائي أمام مبارك غير انه لا يسير بانتظام وتسلسل منطقي للأحداث .. يُسرع ويبطئ ، ويقف برهة أمام حدث بعينه .. مشاهد تتداخل وتتقاطع مع بعضها على النقيض تماما في فحواها ومعناها .. عبًارة السلام تغرق في مياه البحر الأحمر ، وستاد القاهرة يوم مباراة مصيرية لمنتخب مصر ممتلء عن بكرة أبيه .. عجوز يتشبث ب ” قشاية ” وسط صقيع لا يقاوم .. و ” زيدان ” يصارع ” سونج ” على الكرة .. طفلة في حضن أمها تصرخ والموج يطوًح الأم والبنت .. و” زيدان ” لا يزال يقاتل على الكرة .. لم تستطع الطفلة البريئة المقاومة .. ولم يستطع ” سونج ” الاحتفاظ بكرته ، أخذها ” زيدان ” ومررها ” لابو تريكة ” .. وخطفت الأمواج الطفلة من حضن أمها .. ابو تريكة يحرز هدفا ومصر تكسب بطولة .. وتخسر 1200 شهيدا في العبارة المشئومة .. ومبارك في الاستاد ضحكته تملأ وتهز المدرجات ، وسوزان ترفع يدها تلوًح بالعلم ومعها نظيف ، والأجساد الطاهرة في مياه البحر الأحمر ترفع آياديها استسلاما لموت لم يرحم صغيرا ولا كبيرا .. واسماك القرش تلتهم أجساد أهالينا ، والأم المكلومة لا تزال تصرخ على طفلتها الميتة التي لم تستطع الحفاظ عليها لتدفنها في قبر تعاوده كل يوم وتقرأ لها الفاتحة.
………………..

” المشهد الرابع .. الولد كبر ونفسه يبقى رئيس “
وتمر السنوات العشر الأخيرة في حكمه بتأن مقصود .. هي الأكثر سوادا في الـ 30 سنة الماضية.. الولد كبر يريد أن يصبح رئيسا والأم حلمها أن يسلم الأب الراية لابنه.. العائلة قلًصت مسؤولياته ، أصبح رئيسا بلا صلاحيات ، لا رأى في وزير يُختار .. كل الأمور في يد جمال وهو – أى مبارك – لا غاضب ولا سعيد ، وكأنه اقتنع أن السنين طالت به وأصبح – على حد قول د يحى الرخاوي – : راجل بركة!
…………………

” المشهد الخامس .. صوت عمار الشريعي “
ارحل ارحل .. مش عايزينك .. صوت ثوار 25 يناير يرن في أذنه .. يرى أسرة شهيد .. فنان تشكيلي كان كل حلمه ” مصر منورة في لوحة أبدية ” .. تستنشق عبير الحرية والعدالة بين الناس أجمعين.. وزوجة الشهيد رغم يقينها انه الآن في الجنة ، إلا أن الدموع تنسال من عينيها ، فالحقيقة المؤلمة الجاثمة فوق صدرها أنه مات .. وطفله الصغير لا يدرك شيئا غير أنه حزين .. انتظره طويلا ولم يجيء .. بابا فين يا ماما ؟ .. ترد : عند ربنا .. في الجنة يا حبيبي.
تتدافع صور الشهداء أمام عيني مبارك ، وصوت عمار الشريعي كأنه قنبلة : الدم اللي في ايديا .. بالليل ينده عليا .. ويقوللي قتلت مين .. ويقوللي يا انسان تفرّق السجان ازاى من السجين
ينتفض الجسد انتفاضة هائلة تُرعب الطبيب .. ينادي على مساعديه .. القلب ” توقف ” .. والشريط الأسود يأبى إلا أن ” يستمر “.
صراخ وعويل ونيران تزغرد وقطار الصعيد يسير مشتعلا .. وهناك من يقفز والقطار مسرعا ، وأجساد متفحمة ووجوه ساحت ملامحها ، وحريق أخر في مسرح التهم خيرة عقول مصر ونوابغها .. وصوت يرن في أذنه من الميدان : هو يمشي مش حنمشي!
هى كانت ثورة ولا مؤامرة ؟ يسأل نفسه في غفوته .. ويأتيه الرد : ثورة حقيقية .. بدأت بتمثيلية وسيناريو محبوك ومخطط له بمعلمة .. كلنا صدقناها .. كبيرنا وصغيرنا .. الأمي فينا والمتعلم .. الملايين التي نزلت ، نزلت عن قناعة .. ان نظاما قاسيا وبشعا جثم فوق الصدور 30 عاما .. حرق الأخضر واليابس .. فساد تفشّى .. تعليم تدنّى الى الحضيض .. أما عن الأمور الصحية فحدّث ولا حرج .. وسياسة الدولة اصبح لا يعلم عنها شيئا .. فلتت – بإرادته – من بين يديه .. يتحكم فيها ” شوية عيال ” هو – اى مبارك – من سمح لهم بذلك .. فزاد الحنق واصبحت العقول تغلي من شدة الغيظ والغيرة على بلد يتهاوى بيد من لا يعرف قيمته وعظمته.
…………………

” المشهد السادس .. محكمة .. أفندم “
محكمة .. ينطقها الحاجب فينتفض الجسد ويصبح الحلم كابوسا .. يرى نفسه يدخل القفص راقدا على سرير .. فقط للاستعطاف ليس اكثر .. ينادي بإسمه القاضي : محمد السيد حسني مبارك .. يرد : أفندم … ” يحدّث نفسه ” : ياخبر اسود .. بقى أنا حسنى مبارك اللي كنت أأمر فأطاع .. والنظرة منّي تُرعب ملايين .. يأتي اليوم و ” اتحاكم ” وأدخل قفص الاتهام وأرد : أفندم!!
يجري من أمام عينيه شريط المحاكمة .. فلم تك محاكمة فعلية .. كانت تمثيلية كوميدية سخيفة وغبية انتهت بلا شىء .. وخرج منها كل اللصوص والفسدة كما الشعرة من العجين .. ولولا حمرة الخجل ، لرفعوا ضدنا جميعا قضية رد اعتبار لما لحق بهم من إهانة ، ناسين عن قصد أنهم أهانوا شعبا بكامله ، لو كان بيده القصاص ، ماترك واحدا منهم حيا على الأرض!
………………………..

” المشهد السابع .. جنازة عسكرية “
الجسد المسجي على فراشه استسلم .. والوجه العابس من لحظات ؛ اعترته ملامح فرحة .. رأى جنازته بعينيه .. جنازة عسكرية مهيبة .. النعش ملفوف بعلم مصر وآلاف المشيعين يمشون وراءه وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية .. ارتاح قلبه مؤقتا .. واستبشر خيرا فيما هو آت .. لكنه ضحك ضحكة موحية بشكل مستفز : ” أما انا كنت حلو كده وزي الفل .. والرئيس وكبار رجال الدولة جاءوا يشيّعونني .. أمال قمتم عليّا بثورة ليه ؟ وحبستوني وسجنتوا ولادي .. مش كنت امبارح كخه وفاسد وحكمتكم 30 سنة بالحديد والنار .. جايين النهارده تعيّطوا عليّا وتقولوا كان راجل عظيم ومصر لا تنسى لرجالها مواقفهم النبيلة وتضحياتهم الجسيمة .. تصدقوا وتأمنوا بالله : انتم فعلا ناس طيبين !!
.. لا أعرف ان كان قالها بجدية أم باستهزاء!
………………………….

” المشهد الأخير قبل الدفن “
مشهد مرعب .. سمع هذه المرة كلمة ” محكمة ” .. زلّزلته .. لم ير قضاة ولا قفص ولا محامين ولا أحدا جالسا في القاعة .. محكمة ” تانية خالص ” .. تذكّر الأية : ( ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه ). لم يُكمل – عن قصد – بقية الأية من سورة الحاقة .. أية أخرى ارتعدت لها أوصاله : ” لمن المُلك اليوم .. لله الواحد القهّار ” .. قبل الدفن بدقائق سمع أبيات شعر لشاعر شاب اسمه مصطفى عبد الرحمن : فين حراستك فين رجالك .. ياقديم عهد في مجالك .. كانوا فين وازاى وامتى .. وقت ملك الموت ماجالك .. فين ياغلبان الأسامي .. والوزير ابو دم حامي .. وانت رايح غصب عنك .. للقضاه من غير محامي .. كان بيفديك ده وده .. والنوبادي مفيش فدا .. كان بإيدك موتة أشيك .. ليه قبلت تموت كده .. بس برضه للموت جلاله .. والجلال مفيهوش شماتة .. ليك ماليك وعليك خلافه .. واحنا من ضمن اللي خافوا .. واللي سمع عن الموت في عهدك .. برضه مش زي اللي شافه.

قبل دخول القبر .. رنّت في أذنه كلمات نفس الشاعر كان قد سمعها من سنين : ياشباب يناير لسه خيط من نور .. الثورة جاية والجميع فاني .. سألوا الشهيد تتمنى ترجع فين .. قال للميدان واتقتل تاني.
حملّق في الوجوه الواقفة امام القبر يبحث عن شخص بعينه ، فلم يجده .. ربما كانت أخر أمنية او نصيحة له قبل نزوله التراب أن يُسمعه هذه الكلمات!!

منقول عن

احمد عفيفي

Published by

knight32747

I believe like others who believe in freedom and believe in the change, as I was sick of the leaders that we did not chose or even elect

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s